ابن بسام

280

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

مهير كان يركب عليه ، فاحتمل الغضاضة في قبول ذلك النيل ، راجعا بالملامة على هجوم الليل ، محتجّا بكلّ بيت كان حفظه « 1 » في إيثار الخيل ، وقام يخدّ الأرض برجليه ، ويدمي بالعضّ يديه . فلما صار ابن عمّار إلى الحال التي وسوست للعصفور بصيد العقاب ، وسوّلت للكبير ارتجاع الشباب ، هجم على منزل ذلك الرجل ، وقد صارت إليه أعناق الدول ، وغصّت الأرض حواليه بالخيل والخول ، فقام يفدّيه بماله ، ويحسبه يومئذ خطرة بباله ، أو خلوة بطيف خياله ، فذكّره ذلك الزمان ، وقرّره على ما كان ، والرجل يتلاشى بين « 2 » الوجل والحياء ، ويتمنّى لو ابتغى « 3 » نفقا في الأرض أو سلّما في السماء ، ولم يرمه أبو بكر ، حتى أخرج إليه قطعة الشّعر ، فبرئ إليه ابن عمّار من تلك الدنيّة ، وأعطاه مخلاة مملوءة بدراهم قاسميّة ، وقال له : لولا حرمتك / لأوجعتك أدبا ، ولو ملأت تلك أمس برّا ، لملأت لك اليوم هذه تبرا ، فسبحان من لا منازع له في خلقه ، ولا اعتراض عليه في قسمة رزقه ، له النعمة السابغة ، والحجّة البالغة . ثم لحظ ابن عمّار الإقبال ، وحالت به الحال ، وقلّد الأعمال السلطانية فأتهم فيها وأنجد ، وقام بأعبائها وقعد ، ثم لحق آخر عمره ، وبين يدي إدبار أمره ، بثغر سرقسطة بعد خروجه من مرسية - في خبر سيأتي ذكره - ولم يزل بذلك الثغر يتردد ، وفساد حاله عند المعتمد يتزيّد ، إلى أن كان من خبره ما كان ، حسبما يأتي به الشرح والتبيان . وأوّل تعلّقه بالمعتمد كان حين وجّهه لحرب شلب أبوه المعتضد ، فنزع ابن عمّار إليه ، وبلغ من المنزلة لديه ، أن غلب عليه ؛ وبعد انتباذه [ من منازلة ] « 4 » شلب ، وفراغه من تلك الحرب ، صحبه بحضرة إشبيلية ، وأحضره معه مجالس أنسه ، إلى أن أوجس خيفة في نفسه من أبيه المعتضد ، ففرّ عن البلد ، ولحق بشرق الأندلس ، وتمكّن بها من المؤتمن يوسف بن أحمد بن هود ، فخاطب المعتمد بهذا القصيد الفريد « 5 » ، وقد أثبتّ

--> ( 1 ) د : يحفظه . ( 2 ) ل : من . ( 3 ) ل : انتقا . ( 4 ) زيادة من ل ك : شلب . ( 5 ) علق ابن الأبار ( الحلة 2 : 148 ) على هذا بقوله : « ومن فاحش الغلط قول ابن بسام أن ابن عمار قال هذه القصيدة لما خاف من المعتضد لغلبته على ابنه المعتمد » ، لأن هذا كان قبل 460 أو 450 بينما تولى المؤتمن في جمادى الأولى سنة 474 .